السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي

536

فقه الحدود والتعزيرات

كلامه ما لم يكن قبل الشرب ، ويغيّره عن حال صحوه ، ويغلب على عقله ، ولا يميّز بين ثوبه وثوب غيره عند اختلاطهما ، ولا بين نعله ونعل غيره ، ونحو هذا ؛ قال الشافعيّ وأبو يوسف ومحمّد وأبو ثور . وزعم أبو حنيفة أنّ السكران هو الذي لا يعرف السماء من الأرض ولا الرجل من المرأة . ولنا : قول اللَّه تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ » ، نزلت في أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله حين قدّموا رجلًا منهم في الصلاة فصلّى بهم وترك في قراءته ما غيّر المعنى ، وقد كانوا قاموا إلى الصلاة عالمين بها وعرفوا إمامهم وقدّموه ليؤمّهم وقصد إمامتهم والقراءة لهم وقصدوا الائتمام به وعرفوا أركان الصلاة فأتوا بها ، ودلّت الآية على أنّه ما لم يعلم ما يقول فهو سكران ، وروي أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتي بسكران ، فقال : ما شربت ؟ فقال : ما شربت إلّا الخليطين ، وأتي بآخر سكران ، فقال : ألا أبلغ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أنّي ما سرقت ولا زنيت . فهؤلاء قد عرفوا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم واعتذروا إليه وهم سكارى . . . ولأنّ المجنون الذاهب العقل بالكلّيّة يعرف السماء من الأرض ، والرجل من المرأة ، مع ذهاب عقله ورفع القلم عنه . » « 1 » وقال الدكتور وهبة الزحيليّ : « قال أبو حنيفة : إنّ السكر الذي يتعلّق به وجوب الحدّ والحرمة هو الذي يزيل العقل ، بحيث لا يفهم السكران شيئاً ، ولا يعقل منطقاً ، ولا يفرق بين الرجل والمرأة ، والأرض من السماء ، لأنّ الحدود يؤخذ في أسبابها بأقصاها درءاً للحدّ ، لقوله عليه السلام : ادرءوا الحدود بالشبهات ؛ وبناءً عليه اعتبر غاية السكر وأكمله هو الموجب للحدّ . وقال الصاحبان وباقي الأئمّة : السكران هو الذي يكون غالب كلامه الهذيان ، واختلاط الكلام ، لأنّه هو السكران في عرف الناس وعادتهم ، فإنّ السكران في متعارف الناس اسم لمن هذى وخلط في كلامه ،

--> ( 1 ) - المغني ويليه الشرح الكبير ، ج 10 ، صص 335 و 336 .